عنوان الاستشارة:   الدواجن التي تتغذى بالنجاسات
  صاحب الاستشارة: ك-م-س  من : م
  تاريخ الإضافة:  2012-12-30
  الاستــشــــــارة:

ما حكم أكل الطيور والحيوانات التي تتغذى على النجاسات ؟

  الــــــــــــــــــرد:

لجنة الفتوى بالأزهر: (موقع الأزهر)

 

 ثار الجدل في هذه الأيام حول لحم الدجاج الذي يضاف إلى علفه بعض المواد النجسة أو الكيماوية التي تسرع نموها وتزيد حجمها أو وزنها ، وكان محور الجدل في نقطتين ، إحداهما صحية والأخرى دينية .

 

وقد اختلف ذوو الاختصاص والخبرة في تأثير ذلك على صحة الإنسان ، ما بين مثبت للضرر ، وبخاصة في علاقته بالفشل الكلوي والسرطان ، وناف لهذا الضرر ، وبخاصة بهذه الصورة الرهيبة ، مع إشارة بعضهم إلى أن ما يمكن أن يكون من ضرر فهو ليس بهذا الحجم الذي يحرم تناول هذه اللحوم .

 

ومبدئيا نقول : مادام لم يجزم أهل الذكر بوجود الضرر البيِّن الذي يؤثر تأثيرا بالغا بالصحة والمال والعقل وسائر ما حاطه الإسلام بالرعاية من أجل تأدية الإنسان وظيفته في الحياة على الوجه المطلوب ، فلا وجه للقول شرعا بمنع تناوله لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، فما دامت العلة ، وهي الضرر المذكور غير محققة فالأصل في الأشياء الحل ، فإن تحققت كان المنع ، وقد جاء الشرع لتحقيق المصلحة ومنع المفسدة ، والله سبحانه يقول { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } البقرة :195 والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث " لا ضرر ولا ضرار" رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهما مسندا :

ورواه مالك في الموطأ مرسلا ، كما قال النووي في متن " الأربعين حديثا النووية " وقال : حديث حسن .

 

وعلماء الإسلام تحدثوا عن هذا الموضوع من قديم الزمان بناء على نصوص وردت في ذلك منها :

1 - عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن أكل الجلالة وشرب ألبانها حتى تحبس . أخرجه الدار قطني والحاكم والبيهقى ، وقال الحاكم : صحيح الإسناد ، وقال البيهقي : ليس بالقوى .

 

2 - عن ابن عمر أيضا : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها ، رواه الخمسة إلا النسائي . وقال الشوكانى " نيل الأوطار ج 8 ص 128 " : حسَّنه الترمذي ، واختلف فيه على لد ابن أبي نجيح " فقيل : عن مجاهد عنه ، وقيل : عن مجاهد مرسلا، وقيل : عن مجاهد عن ابن عباس .

 

3 - عن ابن عباس رضي الله عنهما : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرب لبن الجلاَّلة ، رواه الخمسة إلا ابن ماجه ، وصححه الترمذي ، وقال الشوكانى : ،وأخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم والبيهقى ، وصححه أيضا ابن دقيق العيد ، ولفظه : وعن الجلالة وشرب ألبانها .

 

4 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحُمر الأهلية ، وعن الجلالة ، عن ركوبها وأكل لحومها رواه أحمد والنسائي وأبو داود- وقال الشوكانى : أخرجه أيضا الحاكم والدارقطني والبيهقي ، وفي الباب عن أبى هريرة مرفوعا ، وفيه النهي عن الجلالة ، قال في التلخيص : إسناده قوى .

 

هذا بعض ما ورد عن الجلالة ، والكلام في هذا الموضوع يدور حول تعريف الجلالة ومناط النهي ، ودرجة هذا النهي وما ينبغي أن يتخذ حيالها . وما هو المنهي عنه منها .

 

أ- فالجلالة هي كل ما يتناول العَذِرَة - بكسر الذال - و الأرواث ، مأخوذ من الجَلَّة-بفتح الجيم -وهي البعرة ، وهي تشمل الإبل والبقر والغنم والدجاج و الأوز وغيرها من كل ما يتناول هذه المواد .

 

قال العلماء : ولا يطلق عليها وصف الجلاَّلة إلا إذا كان غالب علفها من النجس ، كما جزم به النووي في تصحيح التنبيه ، يقول الخطابي : فأما إذا رعت الكلأ و اعتلفت الحب ، وكانت تتناول مع ذلك شيئا من الجلة فليست بجلالة ، وإنما هي كالدجاج المخلاّة ونحوها من الحيوان الذي ربما نال الشيء منها وغالب غذائه وعلفه من غيره ، فلا يكره أكلها ، وجاء في حياة الحيوان الكبرى للدميري " مادة سخلة " قوله واختلفوا فيما يناط به الحرمة و الكراهة ، فقال الرافعي عن " تتمة التتمة " : إنه إن كان أكثر أكلها الطاهرات فليست بجلالة ، والأصح أنه لا اعتبار بالكثرة ، بل بالرائحة ، فإن كان يوجد في مرقتها أو فيها أدنى ريح النجاسة وإن قلَّ فالموضع موضع النهي ، وإلا فلا ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن موضع النهي ما إذا وجدت رائحة النجاسة بتمامها أو كانت تقرب من الرائحة ، فأما إذا كانت الرائحة التي توجد يسيرة فلا اعتبار بها ، والصحيح الأول ، إلحاقا لها بالتغير اليسير بالنجاسة في المياه :

فإن علفت الجلالة علفا طاهرا مدة حتى طاب لحمها وزالت النجاسة زالت .الكراهة ، ولا تقدر مدة العلف عندنا بزمن ، بل المعتبر زوال الرائحة بأي وجه كان .

 

ب - يؤخذ من هذا أن مناط النهي هو وجود رائحة النجاسة وتغير اللحم أو اللبن أو البيض ، وذلك تابع في الغالب إلى كثرة ما تعلف به الدابة من النجاسة أو قوة تأثيره ، يقول الدميرى : ثم إن لم يظهر بسبب ذلك تغير في لحمها فلا تحريم ولا كراهة ، ويقول القرطبى في تفسيره "ج 7 ص 122" بعد ذكر الجلالة : هذا نهي تنزيه وتنظف ، وذلك أنها إذا اغتذت الجلة وهي العذرة وجدنتن رائحتها في لحومها .

 

ب - فإذا وجدت الرائحة أو تغير اللحم طعما وقال العلماء بمنع تناول لحمها وما ينتج عنه . فما هي درجة هذا المنع هل هي الحرمة أو الكراهة ؟ يقول الشوكاني : والنهي حقيقة في التحريم فأحاديث الباب ظاهرها تحريم أكل لحم الجلالة وشرب لبنها وركوبها ، وقد ذهبت الشافعية إلى تحريم أكل لحم الجلالة ، وحكاه في البحر عن الثوري وأحمد بن حنبل ، وقيل : يكره فقط ، كما في اللحم المذكى إذا أنتن قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام : لو غذَّى شاة عشر سنين بأكل حرام لم يحرم عليه أكلها ولا على غيره ، وهذا أحد احتمالي البغوي .

 

قال الدميرى في السخلة المرباة بلبن كلبة أن لها حكم الجلالة ، فيكره أكلها كراهة تنزيه على الأصح في الشرح الكبير والروضة والمنهاج ، وبه جزم الروياني والعراقيون . وقال أبو إسحاق المروزي و القفال : كراهة تحريم ، ورجحه الإمام الغزالي والبغوي والرافعي في المحرر .

 

ثم قال الدميرى: وسئل سحنون "من فقهاء المالكية "عن خروف أرضعته خنزيره فقال : لا بأس بأكله ، وقال الطبري : العلماء مجمعون على أن الجَدى إذا اغتذى بلبن كلبة أو خنزيره لا يكون حراما ولا خلاف في أن ألبان الخنازير نجسة كالعذرة ، وقال غيره : المعنى فيه أن لبن الخنزيرة لا يدرك في الخروف إذا ذبح بذوق ولا شم ولا رائحة ، فقد نقله الله تعالى وأحاله كما يحيل الغذاء ، وإنما حرم الله تعالى أكل أعيان النجاسات المدركات بالحواس ، كذا قاله أبو الحسن على بن خلف بن بطال القرطبى في شرح البخاري [ووفاته سنة تسع وأربعين وأربعمائة ، وهو أحد شيوخ أبى عمرو بن عبد البر رحمة الله تعالى عليه ] انتهي ما في الدميري .

 

د - وإذا كان المنع من أكل لحم الجلالة وشرب لبنها منوطا بوجود النتن والتغير في الطعم والرائحة ، فكيف تزول هذه العلة حتى يزول المنع ؟ قال جماعة : يكفي زوال الرائحة والطعم بأية وسيلة من الوسائل ، و قال آخرون : لابد من حبس الدابة مدة حتى تزول الرائحة . وقال جماعة من هؤلاء لابد مع الحبس من العلف الطيب ، وبدون ذلك يكره أكل اللحم وشرب اللبن ، جاء في تفسير القرطبي : وقال أصحاب الرأي والشافعي وأحمد : لا تؤكل حتى تحبس أياما وتعلف علفا غيرها ، - يعنى غير الجلة - فإذا طاب لحمها أكلت . وكان ابن عمر يحبس الدجاج ثلاثا ثم يذبح ، وقال إسحاق : لا بأس بأكلها بعد أن يغسل لحمها غسلا جيدا ، وكان الحسن لا يرى بأسا بأكل لحم الجلالة ، وكذلك مالك بن أنس .

 

ويقول القرطبى : ومن هذا الباب نهي أن تلقى في الأرض العذرة عن ابن عمر أنه كان يكرى أرضه ويشترط ألا تُدْمن - تُسَمَّد - بالعذرة ، وروى أن رجلا كان يزرع أرضه بالعذرة فقال له عمر : أنت الذي تطعم الناس ما يخرج منهم . انتهي .

 

يقول الدميرى في كتابه حياة الحيوان " مادة دجاج " و في الكامل والميزان في ترجمة غالب بن عبد الله الجزري وهو متروك -عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أياما ثم يأكلها بعد ذلك . وذكر في مادة " سخلة " حديث ابن عمر في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وشرب ألبانها حتى تحبس .

 

وجاء في" نيل الأوطار "للشوكاني : قال ابن رسلان في شرح السنن : وليس للحبس مدة مقدرة ، وعن بعضهم : في الإبل والبقر أربعين يوما ، وفي الغنم سبعة أيام ، وفي الدجاج ثلاثة ، واختاره في المهذب والتحرير ، قال الإمام المهدي في البحر : فإن لم تحبس وجب غسل أمعائها ما لم يستحل ما فيه استحالة تامة ... وقد اختلف في طهارة لبن الجلالة ، فالجمهور على الطهارة ، لأن النجاسة تستحيل في بلطنها ، فيطهر بالاستحالة ، كالدم يستحيل في أعضاء الحيوانات لحما ويصير لبنا .

 

ويقول الدميرى في " مادة سخلة " بعد نقل ما قيل عن مدة الحبس وأنها محمولة على الغالب عندهم : فإن لم تعلف لم يزُل المنع بغسل اللحم بعد الذبح .ولا بطبخه وشَيَّه وتجفيفه في الهواء وإن زالت الرائحة بمرور الزمان عند صاحب التهذيب ، وقيل بخلافه .

 

ر- هذا ، والممنوع في الجلالة بوصف كونها جلالة ، هو أكل لحمها وشرب لبنها وكذلك أكل البيض ، وأيضا حمل الأمتعة عليها ، وركوبها بغير حائل بين ما يحمل عليها وبين جلدها ، وذلك على سبيل الكراهة في الركوب .

 

بعد العرض لأحاديث الجلالة وأقوال العلماء نستخلص أن الدواب التي يخلط علفها بمادة نجسة ولم يظهر فساد في لحمها أو لبنها أو بيضها ، ولا ضرر في تناوله لا يحرم أكل ذلك ولا يكره ، لزوال علة النهي وهي الفساد ، أما إن كان علفها كله من مادة نجسة وظهر فساد اللحم واللبن والبيض فالخلاف موجود بين الحكم بالحرمة أو الكراهة التحريمية أو الكراهة التنزيهية ، وإن لم يكن فساد فلا حرمة ، والأولى علفها بمادة طيبة مدة من الزمان حتى تقبل النفس عليها ، فإن بعض النفوس لا تقبل الحلال الذي لا شك في حله ، فقد امتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل لحم الضب وهو حلال ، وجاء في الصحيحين أنه قيل له : أحرام هو ؟ قال " لا ، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه " وفي رواية مسلم " لا آكله ولا أحرمه " وفي رواية " كلوه فإنه حلال ، ولكنه ليس من طعامي " . وكلام الأطباء والمختصين في هذا المقام له وزنه إن أجمعوا عليه .


طباعة  ..............  إغلاق